في زمنٍ يتكاثر فيه السرد المباشر واللغة السطحية، يظهر اسم المهندس والروائي مصطفى حمدي بوصفه أحد الأصوات التي تعيد للغموض مكانته في الرواية العربية. فمن خلال روايته الأولى تاجر الكورونا التي لاقت نجاحًا واسعًا، وصولًا إلى عمله الثاني ذات الفستان الصادر حديثًا، يتبدّى أن الغموض عنده ليس مجرد زينة أسلوبية، بل هو بنية أساسية في مشروعه السردي.
لا يستخدم مصطفى حمدي الغموض بوصفه ستارًا يخفي وراءه الحقائق فقط، بل بوصفه وسيلة لتوليد المعنى. لغته مشبعة بالإيحاءات والرموز، تجعل القارئ في حالة بحث مستمر عن “المسكوت عنه” أكثر من المكتوب. هنا يبرز ما يمكن أن نسمّيه لغة الظلال: كلمات تقول نصف الحقيقة، وجمل تتوارى وراءها احتمالات عديدة.
شخصياته لا تُقدَّم للقارئ بشكل مباشر، بل تتكشف تدريجيًا عبر تناقضاتها وصمتها وأفعالها غير المكتملة. هذا التعمّد في ترك المساحات البيضاء يخلق نوعًا من الغموض النفسي، يجعل القارئ متورطًا في محاولة فهم دوافعهم، وكأن الكاتب يدعونا لنكون شركاء في عملية الخلق الروائي.
الغموض عند حمدي ليس مجرد حدث غامض، بل إيقاع متدرج: يبدأ بهدوء، يزرع أسئلة صغيرة، ثم يضاعفها، حتى يصبح القارئ في قبضة النص دون أن يدرك. هذا الإيقاع قائم على التقطيع السردي وتوزيع المشاهد بطريقة تحافظ على التوتر.
من أبرز سمات كتابته أن الغياب يتحوّل إلى حضور طاغٍ. في تاجر الكورونا كان الوباء غائبًا-حاضرًا؛ لا يظهر كحدث طبي مباشر بقدر ما يظهر كرمز يعيد تشكيل العالم. وفي ذات الفستان نجد أن الغياب (شخص أو سرّ أو ذكرى) يتحوّل إلى بؤرة تجمع حولها الخيوط الروائية.
العنوان في الرواية ليس مجرد بطاقة تعريف، بل هو مفتاح الرؤية، وقد أدرك الروائي مصطفى حمدي هذه الحقيقة فاختار لعوالمه السردية عناوين تبدو بسيطة ظاهريًا، لكنها تحمل طبقات من الرمزية والدلالات.
في «تاجر الكورونا»، يضعنا الكاتب مباشرة أمام شخصية أو فكرة تمثل الاستغلال في زمن الخوف. فكلمة “تاجر” تحيل إلى البيع والشراء، لكن حين تقترن بـ”الكورونا” – رمز الهشاشة والهلع الجمعي – تصبح العنوان مرآة لعالم فقد توازنه، حيث يُتاجر حتى في الألم. هنا لا يعود العنوان إشارة لأحداث محددة، بل رمزًا لآلية اجتماعية تفضح كيف يتحول الوباء من محنة إنسانية إلى سوق للمكاسب.
أما في «ذات الفستان»، فإن العنوان ينفتح على بعد مختلف. “الفستان” ليس مجرد قطعة قماش؛ بل رمز للأنوثة، للهوية، وربما للقناع الذي تُخفي وراءه الشخصية حقيقتها. إضافة “ذات” تمنح الغموض: من هي؟ ما الذي يخفيه الفستان؟ كأن الكاتب يعرض أمامنا شخصية تتعدد وجوهها، وتصبح علامة على الصراع بين الصورة والجوهر.
اللافت أن العنوانين يلتقيان في كونهما يثيران القارئ قبل أن يبدأ الصفحة الأولى: تاجر يوحي بالحيلة والمكسب، كورونا بالزمن الطارئ والكارثة، بينما ذات توحي بالخفاء والخصوصية، والفستان بالرمز الثقافي والاجتماعي. هكذا يتحول العنوان عند مصطفى حمدي إلى عتبة سردية، تقودنا إلى عالم تتقاطع فيه الرمزية مع الواقع.
العناوين عنده إذن ليست زينة لغوية، بل أول رسالة نقدية يوجهها القارئ: اقرأ ما وراء الكلمات، فالمعنى لا يكمن في الحكاية وحدها، بل في الطريقة التي نسمي بها الأشياء.
ولعل ما يجعل هذه الرمزية لافتة أنها تدفع القارئ للتساؤل: هل العنوان يصف الرواية أم يصفنا نحن؟ وهل الخوف أو القناع أو التجارة في الألم موجودة في النص وحده، أم في حياتنا اليومية أيضًا؟
أسلوب يميز جيلًا جديدًا
يمكن القول إن مصطفى حمدي لا يكتب الغموض لذاته، بل يكتبه كأداة لإعادة التفكير في الواقع. الغموض هنا ليس قناعًا، بل مرايا متكسّرة تعكس تعددية المعنى. وهو بهذا يقترب من تجربة جيل جديد من الروائيين العرب الذين يسعون لتجديد السرد بطرح أسئلة أكثر من تقديم إجابات.
يمثل مشروع مصطفى حمدي الروائي إضافة مميزة للأدب العربي المعاصر، لأنه يحرّك القارئ من موقع المتلقي السلبي إلى شريك في إنتاج الدلالة.
وإذا كانت تاجر الكورونا قد أثبتت أن لديه القدرة على توظيف الغموض في مقاربة حدث عالمي، فإن ذات الفستان تكشف عن نضج أكبر في استخدامه كأداة جمالية ومعرفية. وهنا يمكن القول: إن الغموض عنده ليس مجرد تقنية، بل هو أسلوب حياة في الكتابة.
